أزمة إنسانية متصاعدة في غزة رغم تدفق المساعدات وتوسع الدور التجاري.. ماذا يحدث داخل القطاع؟
منذ إعلان وقف إطلاق النار قبل أسبوعين تشهد معابر قطاع غزة دخول مئات الشاحنات يوميًا تحمل خليط من المساعدات الإنسانية والسلع التجارية والتبرعات القادمة من دول وهيئات مختلفة، ومع ذلك ما زالت الأزمة المعيشية تخنق السكان الذين يواجهون ارتفاع كبير في الأسعار وانهيار شبه كامل في قدرتهم الشرائية.
وعلى الرغم من تزايد أعداد الشاحنات يؤكد العاملون في مجال الإغاثة أن النسبة الأكبر من هذه الشحنات تجارية الطابع موجهة للأسواق وليس للأسر المتضررة، وقال بهاء زقوت المتحدث باسم لجنة الإغاثة الزراعية الفلسطينية إن معظم ما يدخل إلى القطاع يعرض للبيع في المتاجر موضح أن الناس باتوا غير قادرين على شراء أبسط احتياجاتهم بعد عامين من الحرب رغم انخفاض أسعار بعض السلع بشكل طفيف في الأيام الأخيرة.
في الأسواق الغزية تتكرر الشكوى نفسها، المواطن رامي يروي أن عائلته لم تتذوق لحم الدجاج منذ نحو ثمانية أشهر قبل أن يتمكن من شرائه مؤخرًا بفضل مساعدة مالية من أحد أقاربه، ويقول إن سعر الدجاج انخفض بعد الهدنة من 33 دولار للرطل إلى نحو 12 دولار لكنه ما زال بعيد عن متناول أغلب الأسر التي فقدت مصادر دخلها.
أوضاع غزة بعد حرب 7 أكتوبر
تعود جذور الأزمة إلى الحرب التي اندلعت عقب هجوم 7 أكتوبر 2023 والتي خلقت دمار هائل في البنية التحتية وتسببت بمقتل أكثر من 68 ألف فلسطيني وفق إحصاءات وزارة الصحة في غزة، ومع توقف جزء كبير من الخدمات الحيوية مثل الكهرباء والمياه والرعاية الصحية والتعليم يعيش السكان اليوم واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخ القطاع.
ورغم الهدوء النسبي الذي فرضته الهدنة فإن الحياة في غزة لم تعد إلى طبيعتها بعد، فالمساعدات لا تكفي والأسعار ما زالت مرتفعة والناس ينتظرون أكثر من مجرد شاحنات تمر عبر المعابر ينتظرون حياة يمكن العيش فيها من جديد.
تفاصيل المجاعة في غزة
في شهر أغسطس كشفت لجنة تابعة للأمم المتحدة عن تفشي المجاعة في مدينة غزة والمناطق المحيطة بها بينما وجهت لجنة أممية أخرى اتهامات لإسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية وهو ما رفضته الحكومة الإسرائيلية بشكل قاطع.
ورغم أن وقف إطلاق النار أدى إلى تحسن نسبي في دخول المساعدات إذ زادت شحنات منظمة اليونيسف إلى الضعف تقريبًا إلا أن حجم الإمدادات لا يزال أقل بكثير مما يحتاجه السكان، فالاتفاق ينص على مرور 600 شاحنة يوميًا في حين لم يصل فعليًا سوى نحو 200 شاحنة في أغلب الأيام بحسب إحصاءات الأمم المتحدة.
وتشير تقارير المنظمات الإغاثية إلى أن الأسواق في القطاع أصبحت تحتوي على تنوع أكبر من السلع لكنها تفتقر في معظمها إلى القيمة الغذائية كما تبقى أسعارها بعيدة عن متناول غالبية السكان، وعبر بهاء زقوت عن استيائه من إدخال سلع غير ضرورية مثل البسكويت والمشروبات الغازية في وقت يعاني فيه الناس من نقص حاد في المواد الغذائية الأساسية والاحتياجات الحيوية.
أوضح المجلس النرويجي للاجئين أن مشاركة القطاع الخاص يمكن أن تساهم في دعم عملية التعافي داخل غزة لكنه نبه إلى ضرورة ألا يتحول الجانب التجاري إلى بديل عن المساعدات الإنسانية الضرورية للسكان.
وفي الوقت ذاته أعلنت الأمم المتحدة عن جهودها المتواصلة في الميدان حيث توزع يوميًا أكثر من مليون وجبة طعام جاهزة وتدير 20 مركز للتغذية إلى جانب 20 فريق طبي متنقل فضلاً عن توفير الأغذية العلاجية للأطفال الذين يعانون من سوء التغذية.
لكن الأزمة الأشد تظل في نقص مياه الشرب إذ تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن معالجة هذه المشكلة تتطلب إصلاح واسع للبنية التحتية الخاصة بالمياه والصرف الصحي وهو أمر يصعب تنفيذه في ظل استمرار القيود الإسرائيلية على دخول مواد البناء والمعدات التي تعتبرها حساسة.
وتواجه منظمات الإغاثة الدولية عراقيل إضافية بعد فرض إسرائيل نظام تسجيل جديد يلزمها بالكشف عن بيانات موظفيها العاملين داخل غزة وهو ما تراه تلك المنظمات تهديد لأمن فرقها ومصدر تعطيل لعملياتها.
وأفادت 41 منظمة إغاثية من بينها أطباء بلا حدود وأوكسفام بأن إسرائيل رفضت ما يقرب من مئة طلب لإدخال المساعدات منذ بدء الهدنة مما تسبب في تعطل إيصال إمدادات تقدر قيمتها بحوالي خمسين مليون دولار.
ورغم ما تعلنه إسرائيل عن عبور مئات الشاحنات يوميًا محملة بالمواد الغذائية والطبية والوقود يبقى التحدي الحقيقي في ضمان وصول هذه المساعدات إلى الفئات الأكثر احتياج بعيد عن المضاربات التجارية وتأثير السوق.
