من هو عباس حمد الله الشهير بالمناصر؟ من البحث عن فرصة للخروج من العراق إلى خدمة الجيش الروسي
في إحدى مطاعم موسكو، وبينما كان الشاب العراقي عباس حمدالله – المعروف باسم "عباس المناصر" – يتصفح هاتفه المحمول، قاده إعلان رقمي بسيط إلى منعطف غير متوقع في حياته.
إعلان يحمل رمز QR لامع، يعِد برواتب مجزية وجنسية روسية مقابل التطوع في الجيش الروسي.
لم يكن يعلم أن هذه اللحظة العشوائية ستقلب حياته رأسًا على عقب، وتنقله من حلم الهجرة إلى قلب المعارك في أوكرانيا.
من فيزا سياحية إلى معسكرات التدريب
وصل عباس إلى روسيا بتأشيرة سياحية، كما فعل كثير من الشباب العراقيين والمصريين والجزائريين الذين حلموا بعبور نحو أوروبا الغربية عبر روسيا وبيلاروسيا.
لكن الطريق تغير حين بدأت الإعلانات العسكرية الروسية تملأ شوارع موسكو، وتعرض رواتب تصل إلى 3000 دولار شهريًا للمتطوعين الأجانب، مع وعود بالحصول على الجنسية ومزايا أخرى.
بدافع الفضول، قرر عباس وبعض رفاقه التوجه إلى أحد المكاتب التابعة لوزارة الدفاع الروسية، حيث خضعوا لفحوصات طبية، وتحقيقات أمنية، ومقابلات.
وبعد اجتيازهم التدريب العسكري واللغوي الذي استمر قرابة شهرين، تم توزيعهم على جبهات القتال.
من أعمال الحفر إلى الخطوط الأمامية
في البداية، كانت مهام المتطوعين العرب تقتصر على أعمال لوجستية مثل حفر الخنادق وتجهيز مواقع للطائرات المسيّرة، لكن سرعان ما تم الزجّ بهم في عمليات عسكرية مباشرة.
يقول عباس إن قائدهم، وهو ضابط شيشاني، حاول طمأنتهم بقوله: "أنا مسلم مثلكم... وسأرشدكم."
لكن الواقع لم يكن مطمئنًا أبدًا. مع توالي القصص المروّعة من الخطوط الأمامية، أدرك الجنود الجدد أن مهمتهم الحقيقية أخطر بكثير مما تصوروه.
شبكات تجنيد مشبوهة ووعود مضللة
ليست قصة عباس استثناءً، بل تعكس ظاهرة متنامية، حيث تقوم شبكات وسماسرة – بعضهم من العرب – باستدراج الشباب بعروض عمل كاذبة مثل وظائف طهاة أو سائقين، ثم يُفاجأون بأنهم أصبحوا جنودًا في ساحة حرب.
العقود تُكتب باللغة الروسية، وغالبًا لا يقرأها المجندون، والمكافآت الموعودة قد لا تصل أبدًا.
يقول عباس: "كنت أقول للشباب، كيف ستعملون طباخين وأنتم لا تعرفون كلمة واحدة بالروسية؟"
أرقام مفزعة وصمت رسمي
وفق تقديرات عباس، فإن ما يقرب من 1000 شاب عراقي انضموا إلى الجيش الروسي منذ عام 2022، قُتل منهم أكثر من 200 حتى الآن.
وأكدت عائلات في بغداد والبصرة وديالى أن أبناءهم سافروا بتأشيرات سياحية، لكنهم تورطوا في القتال دون علم مسبق.
ورغم كل ذلك، لم تُصدر الحكومة العراقية أي موقف رسمي واضح.
واكتفت السفارة العراقية في موسكو ببيان مقتضب تنفي فيه إصدار تأشيرات لأغراض القتال، واصفة ما يُنشر بـ"الادعاءات المضللة".
ظروف اقتصادية تدفع الشباب نحو الخطر
يُجمع محللون على أن ما يدفع هؤلاء الشباب إلى خوض مغامرة محفوفة بالمخاطر هو الانسداد الاقتصادي، وانتشار البطالة، وغياب الأمل في الداخل العراقي.
يقول الباحث السياسي جعفر زيارة: "هؤلاء الشباب ضحايا، مثلما حدث في صراعات أخرى بالمنطقة."
أما الناشط الحقوقي علي العبادي، فيعتبر أن مشاركة مواطنين عراقيين في حروب خارجية تمثل "خرقًا دستوريًا" وتستلزم تحركًا رسميًا عاجلاً.
تحذير متأخر من قلب المعركة
بعد عام في الخدمة، تم تسريح عباس المناصر، لكنه عاد وجدد عقده، وأصبح لاحقًا من المؤثرين داخل صفوف المقاتلين العرب.
لكنه أثار حفيظة الاستخبارات الروسية بعد أن نشر فيديوهات يحذر فيها الشباب من خطر الالتحاق بالجيش، ويقول: "قلت لهم إن احتمالات الموت تصل إلى 99%."
وفي رسالة وجهها لاحقًا، قال: "أفكر ألف مرة قبل أن أكرر هذا القرار... الحرب ليست وظيفة، بل مقامرة بالحياة."
