الموجز العربي | معًا نصنع الحدث وننقل الحقيقة

اغتيال أنس الشريف مراسل الجزيرة في غزة.. تفاصيل اللحظات الأخيرة وما قاله قبل استشهاده

الإثنين 11 أغسطس 2025 12:30 مـ 16 صفر 1447 هـ
أنس الشريف
أنس الشريف

نشر الصحفي أنس الشريف، مراسل قناة الجزيرة في قطاع غزة، رسالة وداعية منسوبة إليه عبر حسابه الرسمي على منصة "إكس" ساعات قليلة قبل استشهاده في قصف إسرائيلي استهدف خيمة للصحفيين قرب مستشفى الشفاء، قال فيها: "هذه وصيتي الأخيرة، إن وصلَتكم كلماتي هذه، فاعلموا أن إسرائيل قد نجحت في قتلي وإسكات صوتي".

في هذه الرسالة التي دوّنها بتاريخ 6 أبريل 2025، أشار الشريف إلى المعاناة التي عاشها خلال عمله الصحفي، مؤكدًا تمسّكه بنقل الحقيقة كما هي، رغم ما تعرض له من ألم وخسائر على مدار تغطيته للأحداث في غزة، حيث كتب: "عشتُ الألم بكل تفاصيله، وذُقت الوجع والفقد مرارًا، ورغم ذلك لم أتوقف عن قول الحقيقة".

وبعد دقائق قليلة من نشر هذه الكلمات المؤثرة، بث الشريف تغطيته الأخيرة من قلب مدينة غزة، وأورد فيها: "القصف لا يتوقف، العدوان الإسرائيلي يشتد منذ ساعتين على المدينة".

لاحقًا، أكّد مدير مستشفى الشفاء استشهاد خمسة فلسطينيين بينهم أربعة من طاقم قناة الجزيرة، وذلك عقب غارة استهدفت خيمة إعلامية بالقرب من المستشفى، ضمت كلًا من أنس الشريف، ومحمد قريقع، وإبراهيم ظاهر، ومؤمن عليوة، إضافة إلى السائق محمد نوفل، فيما أُصيب الصحفي محمد صبح في ذات الهجوم، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية.

وفي وقت لاحق، أصدر الجيش الإسرائيلي بيانًا أعلن فيه مسؤوليته عن استهداف أنس الشريف، واتهمه بالانتماء لحركة حماس، وزعم أنه كان يقود مجموعة تتولى تنسيق عمليات قصف صاروخي، وقال إن الهجوم نُفذ بواسطة ذخائر دقيقة بعد عمليات رصد ومتابعة جوية، مشيرًا إلى اتخاذ إجراءات هدفت إلى تقليل الأضرار الجانبية.

من جانبها، أدانت شبكة الجزيرة ما وصفته بـ"الاغتيال المتعمد" الذي طال طاقمها في غزة، وأكدت في بيان رسمي أن "اغتيال مراسلينا على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي يمثل اعتداءً مباشرًا على حرية الصحافة"، واعتبرت أن "استهداف أنس الشريف أحد أبرز وجوه تغطيتها الميدانية محاولة لإسكات الصوت الصحفي قبيل اجتياح محتمل للقطاع"، محملة الجيش الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية المسؤولية الكاملة عن مقتل طاقمها.

وكانت الاتهامات الإسرائيلية بحق الشريف قد بدأت قبل شهور، عندما نشر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفخاي أدرعي، سلسلة تصريحات اتهم فيها الشريف بالارتباط بحماس وتقديم تغطية إعلامية منحازة، وفي أغسطس 2024، زعم أدرعي أن الشريف غطى وجود مسلحين داخل مدرسة تم قصفها، واتهمه بإخفاء ما وصفها بـ"جرائم حماس والجهاد".

وفي يوليو 2025، جدّد أدرعي اتهاماته، مشيرًا إلى أن الشريف "واحد من ستة صحفيين يعملون لصالح الجزيرة ولديهم صلات بحماس"، وهي الادعاءات التي رفضتها القناة تمامًا، وأكّدت في بيانات لاحقة تمسكها بمهنيتها ورفضها لأي تهم تتعلق بارتباط مراسليها بأي جهة سياسية أو عسكرية.

وصف الشريف تلك المزاعم الإسرائيلية بأنها تحريض ممنهج ومحاولة واضحة لإسكاته، وكتب حينها عبر حساباته في مواقع التواصل: "لن أصمت.. لن أتوقف.. صوتي سيبقى شاهدًا على كل جريمة حتى تنتهي هذه الحرب"، كما عبّر عن قلقه من تصاعد التحريض المباشر عليه شخصيًا.

هذا التحريض أثار ردود فعل دولية، حيث أعربت لجنة حماية الصحفيين الدولية، في بيان صدر أواخر يوليو 2025، عن قلقها من تعرض الشريف لتهديدات متكررة، وقالت إن التحريض العلني الذي يُمارس بحقه قد يعرض حياته للخطر، ويقوّض قدرة الصحفيين على العمل في مناطق النزاع.

اللجنة طالبت بضرورة توفير الحماية للصحفيين العاملين في غزة، كما أشارت المقررة الخاصة بالأمم المتحدة المعنية بحرية التعبير، أيرين خان، إلى أن استهداف الصحفيين بشكل مباشر أو التحريض ضدهم يُعد خرقًا للقانون الدولي، ويجب محاسبة مرتكبيه.

وبالتزامن، أصدرت شبكة الجزيرة بيانًا جديدًا في 25 يوليو، رأت فيه أن الشريف يواجه "حملة ترهيب ممنهجة"، تهدف لوقف تغطياته من الميدان، وأكدت أن جميع طواقمها تعمل وفق أخلاقيات المهنة وميثاق الشرف الصحفي، داعية المجتمع الدولي إلى التحرك لحماية المراسلين الميدانيين في غزة.

وحتى نهاية يوليو 2025، بلغ عدد الصحفيين الذين فقدوا أرواحهم منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023 نحو 232 صحفيًا، وفق إحصاءات رسمية صادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة.

أنس الشريف، الذي وُلد عام 1996 في مخيم جباليا شمالي القطاع، بدأ عمله الميداني في تغطية الصراع منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، وبرز خلال الشهور الماضية في نقل مشاهد حية من مواقع القصف والمواجهات، وظهر مرارًا في بث مباشر تحت القصف، مقدّمًا تقارير توثق لحظات الألم والدمار.

فقد الشريف والده في ديسمبر 2023 بعد قصف منزله، لكنه واصل عمله رغم الحزن، وغطى لاحقًا لحظة استشهاد زميليه إسماعيل الغول ورامي الريفي في قصف طال مخيم الشاطئ.

الراحل كان متزوجًا وأبًا لطفلين، وشارك قبل أسابيع صورة عبر "إنستغرام" ظهرت فيها عائلته الصغيرة، في لقطة مؤثرة علّق عليها متابعوه بكلمات تضامن ومحبة، رحل أنس وبقيت صورته شاهدًا على مهنة ما تزال تدفع ثمنها الأرواح في غزة.