كيف تحولت منصات التواصل إلى بوابات لتجنيد العراقيين للقتال في روسيا
قبل ستة أشهر فقط ظهر الشاب العراقي محمد عماد في مقطع مصور على تطبيق تيك توك يرتدي الزي العسكري ويبتسم وسط حقل يبدو أنه في أوكرانيا والدخان يتصاعد من حوله وقد كتب على الفيديو عبارة واحدة فقط دعاؤكم وأرفقها بعلم روسيا.
كان ذلك آخر ما رأته عائلته عنه إذ انقطع الاتصال به منذ ذلك الحين بينما لا تزال والدته تتشبث بالأمل تتضارب الأنباء حول مصيره فبعضها يقول إنه أسر وآخر إنه أصيب وهناك من يؤكد أنه قتل في ضربة مسيرة أوكرانية وسط حرب مستمرة منذ أكثر من عامين حصدت مئات الآلاف من الأرواح.
محمد البالغ من العمر 24 عام ليس حالة استثنائية فمثل عدد متزايد من الشباب العراقيين الذين ضاقت بهم سبل المعيشة انجذب إلى العروض الروسية التي تغري الشباب برواتب مرتفعة وجوازات سفر جديدة ليغادر بلده سر دون علم أسرته.
تروي والدته زينب جبار 54 عام بصوت متهدج ودموع لا تتوقف من منزلها في مدينة المسيب جنوب بغداد قائلة ذهب ولم يعد... تعبنا من الحروب فما شأننا بروسيا أو أوكرانيا.
في بلد يعاني فيه أكثر من ثلث الشباب بين 15 و24 عام من البطالة تبدو الإغراءات الروسية مغرية للغاية وفق تحقيق أجرته وكالة فرنسية تنتشر عبر مواقع التواصل عروض تجنيد تعد برواتب شهرية تصل إلى 2800 دولار أي ما يعادل أربعة أضعاف راتب الجندي العراقي إلى جانب مكافأة توقيع تصل إلى 20 ألف دولار وجواز سفر روسي بعد فترة الخدمة.
هذه الوعود دفعت عشرات الشبان إلى ترك أسرهم وأحلامهم وراءهم لينتهوا في ميادين حرب لا يعرفون عنها شيئ ولا يسمع ذووهم عنهم بعد ذلك سوى أخبار متناقضة بين الأسر والموت والاختفاء.
سبب تزايد تجنيد الشباب العراقيين في الجيش الروسي
كشفت تقارير صحفية أن موجة جديدة من الشباب العراقيين من العائلات الفقيرة بدأت تتجه إلى الانضمام إلى صفوف الجيش الروسي بعد وعود مالية وإغراءات تروج على نطاق واسع عبر الإنترنت ووفق ما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية فإنها تواصلت مع أسر أربعة شبان سافروا إلى روسيا ثلاثة منهم لا يزال مصيرهم مجهول بينما عاد الرابع إلى بلده جثة هامدة.
كما تحدثت الوكالة إلى شاب عراقي يقاتل حاليًا تحت راية الجيش الروسي ويشارك تفاصيل تجربته عبر حساباته على وسائل التواصل ويقدم الدعم والإرشاد للراغبين في الالتحاق بصفوف المقاتلين، ونشر هذا الشاب في أحد منشوراته عبارة أثارت الجدل قال فيها أعطني جندي عراقي وسلاح روسي وسنحرر العالم من الاستعمار.
منصات مثل تيك توك وتليغرام تحولت إلى ساحات مفتوحة لتجنيد الشباب إذ تنتشر عليها حسابات تقدم وعود بالمساعدة في السفر والتسجيل بل وتعرض تفاصيل الإجراءات المطلوبة خطوة بخطوة.
تأتي هذه التحركات في وقت تعود فيه تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الواجهة عندما أعلن مع بداية الحرب في أوكرانيا عن نيته تجنيد 16 ألف مقاتل من الشرق الأوسط لدعم الجيش الروسي وهو ما أكدته تقارير سابقة تحدثت عن نحو ألفي جندي سوري توجهوا بالفعل للمشاركة في القتال.
اللافت أن القنوات التي تنشط اليوم عبر تليغرام تركز على فئة الشباب العراقيين وتعدهم بالسفر السريع عبر إجراءات بسيطة تبدأ بإرسال نسخة من جواز السفر والعنوان ورقم الهاتف ليرسل بعدها للمتقدمين خطاب دعوة وتأشيرة مجانية وتذكرة سفر مغطاة التكاليف.
وبينما تزداد هذه الحملات انتشار تتزايد معها مخاوف العائلات العراقية من فقدان المزيد من أبنائها في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
قصص مأساوية لعراقيين التحقوا بالجيش الروسي
تتصاعد المخاوف بين الأسر العراقية بعد انتشار مقاطع ترويجية على مواقع التواصل الاجتماعي تشجع الشباب على الانضمام إلى الجيش الروسي فيما تتزايد في التعليقات تساؤلات من عائلات تبحث بقلق عن أبنائها الذين انقطع الاتصال بهم منذ أشهر.
عائلة الشاب محمد عماد واحدة من تلك القصص المؤلمة تؤكد والدته أن ابنها وقع ضحية لتلك الحملات التي أغرته بالسفر إلى روسيا مطلع هذا العام بعد أن ظنت العائلة أنه يعمل في أحد المخابز بمحافظة البصرة لتكتشف لاحقًا أنه التحق بالقتال في أوكرانيا.
تروي الأم التي ما زالت تنتظر خبر عنه أنها تحدثت إليه آخر مرة عبر الهاتف حين قال لها ادعي لي.. لدي حرب ثم انقطع الاتصال نهائي ومنذ تلك اللحظة وهي تردد بألم: لا أريد شيئ سوى أن أعرف إن كان حي أم لا.
أما شقيقته فاتن فتقضي ساعات طويلة على الإنترنت تبحث بين الحسابات والتعليقات عن أي أثر له متتبعة الصفحات التي يديرها عراقيون يقولون إنهم يقاتلون ضمن القوات الروسية، وتؤكد أنها تلقت روايات متناقضة حول مصير شقيقها بعضها يشير إلى أسره وأخرى إلى مقتله.
أحد أبرز تلك الحسابات يديره شاب عراقي يدعى عباس حمد الله المعروف باسم عباس المناصر يبلغ من العمر 27 عام ويشارك مقاطع فيديو من داخل روسيا تظهر تفاصيل يومياته كمقاتل، كما يقدم عبر قناته على تيك توك وتليغرام إرشادات ومساعدة للراغبين بالالتحاق بالجيش الروسي ما يجعل كثيرين يصفونه بأنه أحد أبرز وجوه التجنيد الإلكتروني للشباب العراقيين.
وتتزايد يوم بعد يوم المخاوف من اتساع هذه الظاهرة خصوصًا مع غياب أي رقابة رسمية على الحملات التي تستهدف فئة الشباب العاطلين عن العمل وسط وعود مالية كبيرة تغريهم بخوض حرب لا تخصهم.
دور الإنترنت في تجنيد العراقيين
تحولت تطبيقات تيك توك وتليغرام إلى ساحات رقمية يشارك من خلالها بعض العراقيين تجاربهم في صفوف الجيش الروسي ويقدمون المساعدة للشباب الراغبين بالالتحاق في ظاهرة تتسع وسط الفقر والبطالة وغياب الوعي بالمخاطر الحقيقية.
من بين هؤلاء الشاب عباس حمد الله الذي ينشر يومياته من الجبهات الروسية ويروج لما يسميه فرص الانضمام إلى الجيش الروسي، ويبدو أن منشوراته كانت وراء قرار الشاب محمد عماد خوض المغامرة نفسها بعدما تواصل مع عباس طالب إرشاده في رحلته نحو روسيا.
لكن الأنباء التي نقلها عباس لاحقًا كانت صادمة لعائلة محمد إذ أكد لشقيقته فاتن أن جثته موجودة في مشرحة تابعة للجيش الروسي بعد مقتله بضربة من طائرة مسيرة أوكرانية قرب باخموت، وقال إن محمد حاول التصدي للمسيرة بإطلاق النار عليها بينما اختبأ آخرون في الموقع نفسه.
تعيش فاتن اليوم في دوامة من القلق وتقول بأسى إذا كان ميت نريد جثته على الأقل... نريد أن ندفنه في بلده ورغم محاولات العائلة المتكررة لم تتلق أي تأكيد رسمي حول مصير ابنها.
وفي مدينة الناصرية جنوب العراق يروي عبد الحسين مطلق 74 عام قصة مشابهة لابنه علاوي الذي غادر رفقة محمد إلى روسيا، كان يرسل صور من تدريباته العسكرية قبل أن ينقطع الاتصال به في الخامس من مايو الماضي، يقول الأب بحزن قلت له هذه ليست حربنا ولن تستفيد شيئ... لكنها كانت كلماته الأخيرة قبل أن يختفي.
هذه القصص أصبحت تتكرر في أكثر من مدينة عراقية حيث يدفع الإغراء المالي ووعود التجنيس الروسي كثيرًا من الشباب إلى خوض مغامرات مجهولة المصير تاركين وراءهم عائلات غارقة في الحزن والانتظار.
في عام 2023 شد عباس رحاله من العراق إلى موسكو طامح بالوصول لاحقًا إلى أوروبا مثل آلاف المهاجرين الباحثين عن حياة أفضل، إلا أن إعلانات منتشرة في شوارع روسيا تدعو الشباب الأجانب للانضمام إلى الجيش الروسي غيرت مسار خطته بالكامل فقرر البقاء وخوض التجربة.
يقول عباس إنه فقد الأمل في إيجاد مستقبل داخل العراق رغم محاولاته المتكررة مضيف أن ما دفعه للانضمام لم يكن ولاء لأي طرف بل رغبته في تأمين حياة كريمة لعائلته.
في عام 2024 التحق رسميًا بالجيش الروسي وحصل على الجنسية وأصبح قادر على إرسال ما يقارب 2500 دولار شهري إلى أسرته وهو مبلغ كبير مقارنة بمتوسط دخل الشباب العراقيين.
عباس يستخدم قناته على تطبيق تليغرام للتواصل مع الراغبين في التجنيد ويشارك معلومات حول التأشيرات التي تصل تكلفتها إلى نحو ألف دولار تذهب أغلبها لوكالات السفر، يؤكد أنه لا يتقاضى عمولة من هذا العمل لكنه يحذر من سماسرة يستغلون حاجة الشباب ويحصلون على جزء من مكافآتهم عند التوقيع.
ورغم المردود المادي المغري لا يخفي عباس حقيقة المخاطر التي تواجه كل من ينضم موضح أن الموت احتمال قائم دائمًا فالحرب التي يخوضونها تختلف عن أي حرب سابقة في العراق إذ توصف بأنها حرب تكنولوجيا متقدمة تعتمد على الطائرات المسيرة والذكاء العسكري الحديث.

