القضاء الفرنسي يربك المشهد السياسي بأحكام غير مسبوقة ضد رموز كبرى.. تفاصيل
شهدت الساحة السياسية في فرنسا عام مليء بالجدل بعد سلسلة من الأحكام القضائية التي وصفت بأنها الأجرأ في تاريخ الجمهورية الحديثة لتضع العلاقة بين القضاء والسلطة التنفيذية تحت المجهر وتثير تساؤلات حول استقلال القضاء وحدود نفوذه بحسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال.
ففي الأشهر الأخيرة أصدرت المحاكم الفرنسية قرارات اعتبرت تاريخية ومفاجئة طالت اثنين من أبرز الشخصيات السياسية في البلاد، ففي مارس الماضي أدينت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان باختلاس أموال تابعة للاتحاد الأوروبي ما أدى إلى منعها من الترشح للانتخابات الرئاسية لمدة خمس سنوات.
وبعدها بفترة قصيرة واجه الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي حكماً بالسجن خمس سنوات ليصبح أول رئيس فرنسي سابق يزج به في السجن بعد إدانته بالتآمر للحصول على تمويل غير قانوني من الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي.
هذه الأحكام فجرت موجة من الانقسام داخل الشارع الفرنسي حيث يرى أنصار لوبان وساركوزي أن القضاء يستخدم كأداة لإقصاء خصوم سياسيين بعينهم معتبرين أن ما يحدث استهداف ممنهج أكثر منه تطبيق للعدالة.
في المقابل يؤكد مؤيدو استقلال القضاء أن هذه الخطوات تعكس صرامة النظام القضائي الفرنسي وقدرته على محاسبة الجميع مهما كان منصبهم أو مكانتهم.
ومع استمرار الجدل يرى مراقبون أن فرنسا تمر بمرحلة حساسة تختبر فيها مؤسساتها الديمقراطية وسط تساؤلات عن مدى تأثر القضاء الفرنسي بالسياسة واحتمال تأمركه على غرار المشهد المنقسم في الولايات المتحدة بين السلطة التنفيذية وخصومها القانونيين.
يؤكد القضاة الفرنسيون أنهم لا يقومون سوى بتطبيق القانون كما هو دون أي اعتبارات سياسية وهو ما يتفق معه غالبية المواطنين الفرنسيين بحسب استطلاعات الرأي التي تظهر دعم واسع لاستقلال القضاء، ويرى معظم الفرنسيين أن انتقاد الأحكام القضائية يمثل تعدي على أحد الركائز الأساسية للديمقراطية في بلادهم وهو مبدأ المساواة أمام القانون الذي يعود تاريخه إلى الثورة الفرنسية وإعدام الملك لويس السادس عشر بالمقصلة.
وفي خضم الجدل السياسي المحتدم تبرز مقارنة بين ما يحدث في فرنسا والولايات المتحدة حيث يتبادل الساسة هناك الاتهامات بتسييس القضاء، فالديمقراطيون يتهمون دونالد ترامب باستغلال وزارة العدل ضد خصومه بينما يرد ترامب باتهام مماثل لخصومه بأنهم يستخدمون القضاء لملاحقته وهو ما أطلق عليه البعض أمركة القضاء.
أما في فرنسا فتواجه شخصيات سياسية مثل نيكولا ساركوزي ومارين لوبان أحكام قضائية مؤقتة رغم أن قضاياهم ما زالت قيد الاستئناف، ويعتبر هؤلاء أن تطبيق العقوبة قبل انتهاء مراحل التقاضي يمثل حرمان من حق قانوني أصيل، ولهذا قدم أحد نواب حزب ساركوزي مشروع قانون للبرلمان يقضي بفتح باب الطعن في هذه الأحكام المؤقتة.
ويقترح التيار المحافظ تقييد سلطة القضاة في تنفيذ الأحكام قبل صدور القرار النهائي معتبر أن ذلك يهدد مبدأ العدالة.
لكن في المقابل يرى خبراء القانون أن هذه الانتقادات تتجاهل التطور الكبير الذي شهده النظام القضائي الفرنسي خلال العقد الأخير والذي هدف إلى تقليص المماطلات وتسريع الفصل في القضايا.
ووفق بيانات وزارة العدل الفرنسية فإن نسبة تطبيق التنفيذ المؤقت ارتفعت من 43% عام 2020 إلى 57% عام 2024 ما يعكس توجه نحو حسم القضايا بشكل أسرع وأكثر فعالية.
جاء ارتفاع وتيرة تنفيذ الأحكام في فرنسا نتيجة الضغوط المتزايدة من التيارات المحافظة واليمينية المتشددة التي طالما اتهمت النظام القضائي بالبطء والتساهل مطالبة بتشديد الإجراءات وتسريع المحاكمات.
وبينما انطلقت محاكمة الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي مطلع يناير فإن التحقيقات التي مهدت لها تعود إلى أكثر من عشر سنوات وهي نفس المدة التي سبقت أيضًا قضية مارين لوبان ما يعكس بطء سير العدالة في ملفات الشخصيات السياسية الكبرى.
ويشير أستاذ القانون العام بجامعة باريس بانتيون بنيامين موريل إلى أن ما يحدث ليس مؤامرة أو استهداف سياسي من داخل النظام بل نتيجة طبيعية لسياسات طالما دعا إليها السياسيون أنفسهم.
ويوضح أن المفارقة تكمن في أن بعض هؤلاء القادة الذين طالبوا سابقًا بتطبيق التنفيذ الفوري للأحكام القضائية أصبحوا اليوم ينتقدونه بشدة عندما طبق على رموز من معسكرهم السياسي ملقين باللوم على القضاة أنفسهم.

