أغنياء الحرب في غزة.. كيف حوّل تجار العملة معاناة الجوعى إلى أرباح طائلة وسط الانهيار المصرفي؟
في ظل مشهد اقتصادي قاتم يلف قطاع غزة، بات المواطن الفلسطيني يواجه واقعًا يوميًا أشبه بالكوابيس، حيث يتحول الراتب الشهري إلى عبء إضافي بدلًا من أن يكون وسيلة لتأمين أساسيات الحياة.
ومع تعطل النظام المصرفي بالكامل، وانهيار البنية المالية تحت وطأة الحرب المستمرة، برزت طبقة جديدة من "أغنياء الحرب" الذين استغلوا معاناة السكان، وحوّلوا الأزمة إلى وسيلة لجني أرباح خيالية من عمليات "التكييش" غير الرسمية.
الفلسطيني عبد الله عبد ربه، رب أسرة مكوّنة من أربعة أطفال، اضطر للتنقل لساعات طويلة تحت أشعة الشمس القاسية في شوارع غزة بحثًا عن تاجر عملة يوافق على صرف راتبه، عاد الرجل صفر اليدين إلى خيمته غرب المدينة، عاجزًا عن شراء حتى كيس طحين لأطفاله الجائعين، بعدما اكتشف أن الحصول على الراتب يتطلب التخلي عن أكثر من نصف قيمته عمولةً لتاجر العملات.
عمولة التكييش بلغت 55% في بعض المناطق، وفق روايات المواطنين، ما يعني أن الموظف الذي يتقاضى راتبًا رمزيًا بالكاد يكفي أسبوعًا، يضطر إلى التفريط بمعظمه مقابل سيولة نقدية نادرة، أصبحت أكثر قيمة من العملة ذاتها، وسط توقف شبه تام للبنوك، وغياب الشيكل من السوق، ورفض الباعة التعامل بالأوراق النقدية المهترئة التي يصفونها بـ"الممزقة وغير الصالحة".
المشهد في الأسواق العشوائية يعكس انهيارًا اقتصاديًا كاملًا، حيث أصبحت لقمة العيش مشروطة بوسيط عملة يقرر كم يأخذ وكم يترك، فالبضائع متوفرة ولكن بأسعار مضاعفة، والعملة المحلية تفقد قيمتها بسرعة صادمة، بينما المواطن الغزي أصبح بين مطرقة الجوع وسندان الابتزاز المالي.
بيانات سلطة النقد الفلسطينية تؤكد أن نحو 1.2 مليار شيكل مفقودة من النظام المصرفي، فيما تجاوز التضخم حاجز الـ500%.
ومع اختفاء القروض وانعدام الحوالات الرسمية، نشطت السوق السوداء بشكل مرعب، وأصبحت تجارة "الكاش مقابل الراتب" مهنة مربحة، تُدار خارج أي رقابة قانونية.
في الوقت نفسه، يعيش المواطنون تحت وقع الانهيار النفسي والاجتماعي، التقارير المحلية تشير إلى ارتفاع غير مسبوق في نسب الطلاق والانتحار والجرائم، بينما وصلت معدلات الفقر إلى أكثر من 85%، والبطالة إلى 90%، في أرقام تصفها مؤسسات دولية بأنها "كارثية وغير مسبوقة".
قانونيًا، يؤكد خبراء أن منع إدخال النقد إلى غزة يُعد خرقًا لاتفاقية باريس الاقتصادية، ما قد يضع إسرائيل في موضع اتهام دولي بارتكاب "جريمة اقتصادية جماعية" ومع ذلك، لا تزال الأزمة تتفاقم دون تدخل فعّال من الجهات المعنية، في حين تستمر السوق السوداء في تغذية نفسها من معاناة الشعب الفلسطيني، الذي يدفع ثمن الحرب من دمه، ومن ماله، ومن كرامته.

